أحمد بن علي القلقشندي

381

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كم جدّلت يوم الوغى من جندل صاحت به فما أطاق تصبّرا ! وكيف لا تخضع لها الأعناق ، وتذلّ لها رقاب الشّعراء على الإطلاق ، وهي اليتيمة التي أعقمت الأفهام عن مثلها ، والفريدة التي اعترف كلّ طويل النّجاد بالقصور عن وصلها : زادت على ، من ذا يطيق وصالها ؟ ومحلَّها منه الثّريّا أقرب ! وأنّى بذلك وقد أخذت من المحاسن بزمامها ، وأحاطت من الطَّلاوة بكمامها ، وأحدقت رياض الأدب بحدائقها ، واقتطفت من أفنان الفنون ثمار معان تلذّ لناظرها وتحلو لذائقها ؟ : ولا تعر غيرها سمعا ولا نظرا في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل وتصرّفت في جميع العلوم وإن كانت على البديع مقصورة ، وشرفت بشرف متعلَّقها فأصبحت بالشرف مشهورة : أهانت الدّرّ حتّى ماله ثمن ، وأرخصت قيمة الأمثال والخطبا ! لا جرم أضحت أمّ القصائد وكعبة القصّاد ، ومحطَّ الرّحال ومنهل الورّاد ، فأربت في الشّهرة على « المثل السائر » ، واعترف بفضلها جزالة البادي وسهولة الحاضر : فللأ فاضل في عليائها سمر إنّ الحديث عن العلياء أسمار ! فأعجب بها من بادرة جمعت بين متضادّين سمر وسمر ، وقرنت بين متباعدين زهر وزهر ، وجادت بمستنزهين روض ونهر ، وتفنّنت في أساليب الكلام وجالت ، وطاوعتها يد المقال فقالت وطالت ، ودعت فرسان العربيّة إلى المبارزة فنكسوا ، وتحقّق المفلقون العجز عن مؤاخاتها ولو حرصوا : فأعرب عن كلّ المعاني فصيحها بما عجزت عنه نزار ويعرب ! إن ذكرت ألفاظها فما الدّرّ المنثور ؟ أو جليت معانيها أخجلت الرّوض